الحرب الجزائرية - الدنماركية ... قصة "البومبة" و "ديل مارك أخزوا جده"

 

مدينة الجزائر 1690- جيرارد فان كولن

الجزائر... دار الجهاد

منذ سقوط آخر معاقل المسلمين في الأندلس نهاية القرن الخامس عشر، انطلقت إسبانيا و معها دول أوروبية عدة في شن حملات هجومية واسعة على سواحل شمال إفريقيا، فكان لا بد من قيام كيان يجابه العدو، و يرد لأوروبا الصاع صاعين، وذلك ما كان بالفعل مع قيام إيالة الجزائر العثمانية سنة 1515، و إن كان انتسابها للباب العالي اسميا فقط، بعد اشتداد قوتها و سلطة حكامها و سطوة اسطولها البحري العظيم، الذي ما انبرى يواجه  القوى العظمى في ذلك العصر طوال ثلاثة قرون، حاميا لديار الإسلام ضد المعتدين  كإسبانيا، إنجلترا، هولندا، روسيا، إيطاليا، فرنسا، الدنمارك- النرويج، والولايات المتحدة الأمريكية  بعد استقلالها، و أذاقهم الويلات ليس في البحر المتوسط فقط بل امتدت سطوته إلى المحيط الأطلسي و حتى بحر الشمال و سفوح جليد آيسلندا.

الدنمارك... قوة بحرية:

خلال القرنين السابع عشر و الثامن عشر، كانت الدنمارك من أقوى الدول بحريا، رغم صغر مساحتها و قلة عدد سكانها.

تأسست البحرية الدنماركية يوم 10 أوت سنة 1510، و خاضت عدة حروب أهمها ضد جارتها السويد، التي و مباشرة بعد استقلالها، سيطرت على مساحات كبيرة من بحر البلطيق، و صارت تشكل تهديدا مباشرا لحركة السفن التجارية الدنماركية  في المنطقة

ومن أشهر الحروب التي خاضتها البحرية الدنماركية هي "حرب الشمال العظمى 1700 - 1721" بين الإمبراطورية الروسية ، الدانمارك-النرويج، بولندا-ليتوانيا و سكسونيا من جهة، و الإمبراطورية السويدية من جهة أخرى من اجل الهيمنة على بحر البلطيق، و معركة كوبنهاغن الأولى سنة 1801 و كوبنهاغن الثانية خلال الحروب النابوليونية سنة 1807.

معركة كوبنهاغن الأولى 1801
معركة كوبنهاغن الأولى 1801

 أولى المعاهدات بين الجزائر و الدنمارك:

نتيجة الإستيلاء المتكرر للبحارة الجزائريين  على السفن الدنماركية العابرة للبحر الأبيض المتوسط، و نقلها إلى مدينة الجزائر، حيث تقتسم الغنائم و ينقل الأسرى إلى سوق العبيد بالمدينة، لجأ الدنمارك إلى عقد المعاهدات مع الجزائر، يدفع على إثرها الجزية مقابل عبور آمن لسفنه في البحر الأبيض المتوسط.

و أولى المعاهدات كانت معاهدة سلم و تجارة عقدت في شهر ماي من سنة 1746 بين "بابا ابراهيم الصغير" داي جمهورية الجزائر، و "كريستيان السادس" ملك الدنمارك و النرويج[1].

قائد بحري جزائري (رايس) بقلم الرسام فولفجانج 1687.
قائد بحري جزائري (رايس) بقلم الرسام فولفجانج 1687.

ولاية الداي "بابا محمد بن عثمان":

بعد أن تقلب "بابا محمد" في عدة وظائف إدارية، و تبوأ مناصب عسكرية، و نظرا لشجاعته النادرة و مواقفه الحازمة ضد المتمردين على الحكومة في شتى المناسبات، عهد إليه الداي السابق "محمد بكير خوجة" بالولاية على عرش الجزائر، فتولى منصبه الجديد إثر وفاة سلفه هذا ليلة النصف من شعبان سنة 1179ه/ أواخر جانفي 1766، و طالت أيامه مدة ربع قرن كامل، اشتهر خلالها بالعدل و الاستقامة و التمسك بسيرة أبطال الإسلام، متقشفا، زاهدا، مبالغا في التحفظ من الإنفاق على نفسه و أهله من مالية الدولة[2].

"محمد بن عثمان" يضاعف الإتاوة على بعض الدول الأوروبية:

ولموازنة ميزانية الدولة، قام الداي محمد بن عثمان برفع قيمة الإتاوات السنوية التي تدفعها كل من الدنمارك، السويد، هولندا والبندقية، فاستجاب الجميع لمطالب الداي باستثناء الدنمارك، الذي حاول معارضة الداي، و بعث بوحداته البحرية إلى الجزائر في شهر أوت من سنة 1767 بدون جدوى، لتعلن عليه الجزائر الحرب في 14 أوت  من سنة 1769 تبعا لحمايته سفن إمارة هامبورغ الألمانية  تحت علمه الأحمر ذو الصليب الأبيض مما أغضب الجزائريين و قرروا إلغاء اتفاقية الصلح السابقة[3].

  الدنماركيون يعلنون الحرب على السمك!

وفي الفاتح من شهر جويلية سنة 1770، فوجئت مدينة الجزائر بقافلة من أسطول دولة الدنمارك مكونة من 11 سفينة يقودها الأميرال "كونت دي كاس" "Frederik Christian Kaas"، رافعة علم السلم الأبيض، فأرسلت اتجاه "برج سردينة" خارج مرسى المدينة.

الأميرال كريستيان فريدريك كاس قائد الحملة على الجزائر
الأميرال كريستيان فريدريك كاس قائد الحملة على الجزائر

أرسل الداي قائد ميناء الجزائر إلى الأميرال الدنماركي برسالة مفادها أنه إذا أتى كعدو، فإننا مستعدون لاستقباله، و يمكنه بدء الهجوم في الحال، أما إذا أتى للاتفاق، فإنه قد بالغ في الحضور بصحبة سفن مقنبلة...

بعد أربعة أيام، باشرت السفن الدنماركية هجومها على مدينة الجزائر و أطلقت نيرانها، فردت عليها الحصون الجزائرية بالمثل و رمتها بالمتفجرات و القذائف، و استمر القتال طوال أسبوع كامل، و في يوم الخميس 11 جوان، أسفرت الحرب عن انهزام العدو، فمال إلى طلب الصلح فرفضته الجزائر و لم تلتفت إليه جراء غدره و اعتدائه، و تتابعت المعارك ثلاثة أيام اخرى انقرض فيها أكثر جيش العدو و تحطمت أغلب مراكبه و لم ينجو منها إلا القليل، ليغادر العدو يوم 14 جوان، و تنذر الداي "محمد بن عثمان" على الدنماركيين قائلا:" أنهم أعلنوا الحرب على السمك" [4] [5] [6].

و قد كان لهزيمة الدنمارك هذه صدى كبير، و في الجزائر علق عليها أحد شعراء الملحون بقصيدة عن "قصة البومبة" و "ديل مارك" أي الدنمارك "اخزوا جده" [7]. (تجدون القصيدة كاملة في نهاية المقال)

حملة الأميرال "هوجلاند" ( الحملة الثانية):

بعد الهجوم الغادر للدنمارك على مدينة الجزائر و انهزامه شر هزيمة، التزمت البحرية الجزائرية بمهاجمة مراكبه حيثما وجدت و أينما حلت بهذا البحر و التزمت خطتها الهجومية هذه طوال سنة كاملة، و كانت الغنيمة ثمينة جدا [5].

وفي سنة 1772 أرسل الدنمارك بعثة ثانية بقيادة الأميرال "هوجلاند Hoogland"، و كان مصيرها هزيمة نكراء، اضطر على إثرها إلى دفع إتاوة عالية جدا للجزائر، و عقدت يوم 16 ماي 1772 ثاني المعاهدات و هي معاهدة سلم و تجارة بين الداي "محمد بن عثمان" حاكم جمهورية الجزائر من جهة، و "كريستيان السابع" ملك الدانمارك و النرويج من جهة أخرى [7].

سفينتان دانماركيتان قبالة سواحل الجزائر سنة 1772
سفينتان دانماركيتان قبالة سواحل الجزائر سنة 1772


و من بنود المعاهدة، تسديد مبلغ النفقات و الخسائر الحربية مع التنازل لحكومة الجزائر على أربعين مدفعا من الحديد، أربعة أخرى من البرونز، 500 قنطار من البارود، 50 شراعا كبيرا و ما يتبعها و يلزمها من الحبال و الخشب لصناعة المراكب، تسديد ما تخلف على ذمة الدنمارك من إتاوات خلال سنوات الحرب، كما افترض عليهم الداي جزية سنوية تؤدى إلى الجزائر مصحوبة بما يتطلب من الهدايا و التحف الممنوحة لأرباب السلطة، و نظرا لبعد المسافة بين البلدين، سمح للدنمارك بتأخير دفع الإتاوة السنوية إلى سنتين منضمة إلى بعضها في كل مرة، و هكذا تم عقد الاتفاق  بين الطرفين و دوت المدافع إيذانا بنهاية المفاوضات و انعقاد الصلح، و بعد ثلاثة أيام دفعوا مال الصلح و فدوة أسراهم و حملوهم إلى مراكبهم، و دفعوا العوائد لمستحقيها وغادروا[5] [6] [8].

الدنمارك ينضم إلى حلف سباعي ضد الجزائر:

سنة 1814، انضم الدنمارك إلى حلف سباعي شن حربا بحرية على الجزائر من أجل إضعافها و إخضاعها، يتكون من الدنمارك، هولندا، إيطاليا، إسبانيا، روسيا، الولايات المتحدة الأمريكية، و بروسيا ( ألمانيا بعاصمتها برلين)، لكن من دون جدوى [7].

  قصيدة البومبة:

وجدت محفوظة في أوراق المستشرق فونتير دي بارادي بالمكتبة العامة بباريس و في بعض أبياتها نقص واضح.

بسم الله نبدا على وفا *** هذي قصة تعيانا

قصة البومبة المتلفا ***كيف جابوها أعدانا

و اضحاو على البعد واقفا *** ما قربو لحذانا

يا رب يا عالم الخفا *** اهزم جيش اعدانا

اسمعوا يا قوم ما طرا *** في هذي القصة نعيده

قصة هذا الكافر ظاهرا *** ديل المرك اخزيو جده

حلفوا بامانات كفرهم *** حتى نردلهم ما مشا

و الا نهدم بلادهم *** جاو بها الطمعة محرشا

الكفار ابليس غرهم *** ظنوا في البهجة مشوشا

خذلهم ربي و ذلهم *** لا صلاح الإسلام كيف شا

و كيف لحقوا الكفار يفارصوا *** ارسوا على البعد كلهم

و بعد ما ارساوا و تربصوا *** ينتظروا فيما يفيدهم

جالهم مرسول قنصول *** من عند السلطان سالهم

قال لهم جيتوا تقرنصوا *** و الا تبغوا الصلح منهم

قالوا جينا مكلفا *** للطراد و تعيانا

و الا نصلح بلا جفا *** تردوا لنا أرزاقنا

كيف سمع السلطان ها الخبر *** اغتاض و لا ابالى كلامهم

قال نعطيهم الكور *** و الله لو ايجيو كلهم

ما نرضى نعطيهم الحجر *** يلعن باباهم وجدهم

امر في الساعة بلا فتر *** جات رجال الحرب كلهم

سلطان البهجا المهيفا *** من نصر مولانا

عذب الكفار كافا *** بجيوشه الفتانا

كيف شاف السلطان ذا العدو *** نادى لاهل الحرب كلهم

قاللهم اتهيوا وجدوا *** في الابراج لي يخصهم

و املاهم برجال يوكدوا *** من كل صنائع اهلهم

و المدافع نيران يوقدوا *** يضيعوا لي جا قبالهم

يرميو على كل شايفا *** من برج و طبانة

و الرجال على الحرب واقفا *** كي السبوع غضبانة

ولت البهجة كما الجمر *** ترمي الموت بنار شاعلة

تحرق من الابعاد من كفر *** بانفاض اسبوع مقابلة

و عدوها لو جا ينكسر ***و جيوشه يضحاو فاشلة

البهجة لي حازت النصر *** ظنوها الخزيان ساهلة

جا لها بسفن عاجفة *** تحسبهم جبالة

لين ولت ترمي مرادفا *** بصواعق نيرانا

جاو بني الروم يحسبوا *** بلاد الجير ولات سايبة

اعياو الكفار يكذبوا *** بالمدافع يرميو بومبة

ما لحق فيما تعذبوا *** و امشات الخزيان خايبة

و الله لو كان قربوا *** لصاروا حيطان رايبة

لكن قوم الروم خايفا *** شافوا الموت عيانا

ما صابوا للصلح سعفا *** و امشاو في اهانا

 يوما به بغاو يزدموا *** الاسلام بلا شك عازمين

عرفوا الكفار عوموا *** ذاك اليوم امشاو هاربين

و الله يا لوكان داوموا *** لكانوا الكفار حاصلين

يا ربي بجاه من اسمو *** محمد الصادق الأمين

احمي مزغنا من الافا *** واجعلها مطمان

بجاه لي فيها من اهل العفا *** الرجال الأعيان

اتفقت الاسلام للجهاد *** و صاروا بالفرح يخدموا

في المئارز خاذين عناد *** بلا سيف القوم يعزموا

و اهل العلم مصابيح البلاد *** معاهم زادوا اتحزموا

تبات الرياس واقفا *** تربط في الميزانة

بقلوب على الحرب لاهفا *** ما هيش شبعانا

كيفاش الكفار يطمعوا *** في البهجة سلطانة المدن

من فيها رجال يدفعوا *** عنها كل البلا و الفتن

كل واحد يرمي بمدفعو ***ما يخطى من قابلوا مطن

بعد ما كانوا فزعوا ***اتفق النصر لهذا الوطن

جازت نزها في بلادنا *** و الأبراج تبات زاهيا

بكياتر و مضارب الغنا *** و الرجال على الحرب ماضيا

الآغا و صحابو مشحنا *** نيران على الحرب قويا

و الخزناجي صيد كامنا *** و اصحابوا اسود ثانيا

زيدوا وكيل الحرج في الثنا ***سلطان المرسى المساويا

و الخوجا من فاز بالهنا *** و غنم سر الجود و الحيا

هذوهم اهل السلطنا *** لطراد الكفار هاويا

تبات الرياس واقفا *** ما تغفل سهران

بقلوب على الحرب واقفا *** تخفق كا لعقبان

تمت ذا القصة الموافقة *** في شهر المولد عن يقين

بعد الميا و الالف لاحقة *** في الرابع من الثمانين

تاريخ البومبة المحققة *** سقطت ظاهرا ياما معين

"ولد عمر" يبغي كما شقا *** تدعيوله دعاء صالح زين [9]

:المراجع 

[1] مولود قاسم نايت بلقاسم: شخصية الجزائر الدولية و هيبتها العالمية قبل سنة 1830، الجزء الأول، ص. 100.
[2] عبد الرحمان الجيلالي: تاريخ الجزائر العام، الجزء الثالث، ص. 233-234.
[3] H.D De Grammont: Histoire D'Alger Sous La Domination Turque, p.318-319
[4]H.D De Grammont: ibid., p.319
[5] عبد الرحمان الجيلالي: المرجع السابق، الجزء الثالث، ص 239-240.
[6] أحمد توفيق المدني: محمد بن عثمان باشا، ص 98.
[7] مولود قاسم نايت بلقاسم. المرجع السابق، الجزء الأول، ص 102.
[8] H.D De Grammont: Op. cit., p. 319-320
[9] أحد توفيق المدني. المرجع السابق، ص 144-147.

 

 

 

 

تعليقات

  1. السلام عليكم،
    أرجو العودة إلى إثراء هذا الفضاء.
    تحياتي.

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

غزوة بالتيمور... قصة الأسطول الجزائري في إيرلندا

حملة الدوق بوفور سنة 1664 ... قصة انكسار الجيش الفرنسي في جيجل

حملة شارلكان الكبرى و انكساره أمام الجزائر...قصة الجزائر المحروسة أو المحمية بالله